انت هنا
الرئيسية > زاد الدعاة > النصر لنا

النصر لنا

 

 

 

 

 

 

فلتحيا بالأمل:

 

أخي الحبيب: كن متفائلاً، لا تقنط ولا تستكين، واملأ قلبك بالأمل، واعمر فؤادك باليقين،  وعش في حدود يومك، ولا تفسده بجراحات الماضي وهموم المستقبل، وانظر دائماً للأمام، وانطلق قُدُمَاً، ولا تكثر الالتفات إلي الخلف، وأبصر النصف المملوء من الكوب، واخلع عنك المنظار الأسود، وعدد نجاحاتك واعمل علي ترسيخها وتطويرها، ولا تقف مكتوفاً أمام بعض الإخفاقات التي لا يخلو منها بشر، ولا يمكن التقدم إلا من خلالها، فهي ليست نهاية العالم، ولا خسارة الأبد، فما دام المُصَابُ بعيداً عن الدين والخلق والمروءة فلا تقلق؛ وما دمت ثابتاً علي مبادئك فلا تحزن، فما عدا ذلك  فهو عارية مسترجعة، ومصاب هين مهما كان، والأيام دول، والكل أغيار، والدهر قُلَّب، والحياة يوم لك ويوم عليك، ولن تكون عليك علي الدوام أبداً؛ فإن ذلك يناقض طبائع الأشياء، ويخالف سنة الله في الأنفس والآفاق، ودوام الحال من المحال﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(آل عمران: من الآية 140). فما دمت متمسكاً بحقك، وفياً لبيعتك فحق لك أن تستبشر﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 111 – 112).

يقول الإمام البنا رحمه الله: “أحب أن تعلم يا أخي أننا لسنا يائسين من أنفسنا، وأننا نأمل خيراً كثيراً، ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلا هذا اليأس، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى، لهذا نحن لسنا يائسين، ولا يتطرق اليأس إلى قلوبنا والحمد لله. وكل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين، إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت، ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته وعسر شفائه واستفحال دائه، فإذا انعكس الأمر وأخذ يتدرج من صمت إلى كلام  ومن همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه وتقدمه في طريق الصحة والعافية. ولقد أتى على هذه الأمم الشرقية حين من الدهر جمدت فيه حتى ملها الجمود، وسكنت حتى أعياها السكون، ولكنها الآن تغلي غلياناً بيقظة شاملة في كل مناحي الحياة، وتضطرم اضطراماً بالمشاعر الحية القوية والأحاسيس العنيفة. و لولا ثقل القيود من جهة، والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار، ولن تظل هذه القيود قيوداً أبد الدهر فإنما الدهر قلب، وما بين طرفة عين و انتباهتها يغير الله من حال إلى حال، و لن يظل الحائر حائراً فإنما بعد الحيرة هدى و بعد الفوضى استقرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد. لهذا لسنا يائسين أبداً, وآيات الله تبارك وتعالى وأحاديث رسوله صلى اله عليه وسلم وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء, و ما قصه علينا في كتابه, كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع, و يرشدنا إلى طريق النهوض وإنك  لتقرأ قوله تعالي: ﴿طسم* تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ* نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾(القصص:1-6).  تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته، و يعتز بقوته، و يطمئن إلى جبروته، و يغفل عن عين الحق التي ترقبه، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، و أبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين، و تأخذ بناصر المهضومين المستضعفين؛ فإذا الباطل منهار من أساسه، وإذا الحق قائم البنيان متين الأركان، وإذا أهله هم الغالبون، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذر في اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام تؤمن بالله ورسوله وكتابه … لمثل هذا يا أخي وهو كثير في دين الله لم ييأس الإخوان المسلمون من أن ينزل نصر الله على هذه الأمم رغم ما يبدو أمامها من عقبات، وعلى ضوء هذا الأمل يعملون عمل الآمِلِ المجد و الله المستعان”(رسالة إلي أي شيء ندعو الناس، بتصرف).

أخي الحبيب: تأمل عمق الأمل  الذي لا يليق غيره  بالدعاة والمصلحين في حديث الإمام البنا في النص السابق رغم ما وصفه في نفس الرسالة قبل سطور من هذا الموضع  مشخصاً للداء، مفصلاً للعلل التي أصابت الأمة،  وما وصلت إليه، وما آل إليه حالها في رحلة انحدار طويلة،  وما تعاني منه في واقعها من استعمار سياسي، واستغلال اقتصادي، وتفسخ اجتماعي، وفوضي فكرية، وما تتعرض له من غزو ثقافي، ويكفي أن ذلك كله أثمر في نفسية الأمة ما وصفه الإمام بقوله: ” وأصيبت الأمة  في ناحيتها النفسية بيأس قاتل، وخمول مميت، وجبن فاضح، وذلة حقيرة، وخنوثة فاشية، وشح وأنانية تكف الأيدي عن البذل، وتقف حجاباً دون التضحية، و تخرج الأمة من صفوف المجاهدين إلى اللاهين اللاعبين”(المرجع السابق) ورغم ذلك كانت دعوته إلي الأمل وعدم اليأس واستمرار العمل لإنقاذ الأمة من هذا المصير. وهذا ما يليق بالعقلاء والدعاة والمصلحين والمجاهدين في كل زمان ومكان.

كن ستار القدر:

أخي الحبيب: كن ستاراً لقدر الله الغالب دائماً؛ وقدرته المطلقة اللامحدودة، فهو وحده المهيمن علي كل شيء، بيده مقاليد كل شيء، هو مبتدأ كل شيء، إليه ينتهي كل شيئ، لا يغيب عن علمه شيئ، ولايعجزه شيئ، ولايُعييه شيئ، ولا يؤوده حفظ السموات والأرض وما فيهن ومن فيهن، عطاؤه كلام، ومنعه كلام، يقول للشيء كن فيكون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: 41)﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 17 – 18)﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107)﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر: 2).

فكن يا أخي الحبيب علي ثقه أن قدر الله تعالي سيجري بنصر الحق ودحر الباطل وفق سنته الماضية التي لا تتخلف  ولا تتغير ولا تتبدل ولا تجامل ولا تحابي، فأقم نفسك ستاراً لهذا القدر وتلك القدرة، حتي تنال الظفر وتأخذ الأجرة، أو بمعني آخر: نصر الله قادم قادم لا محالة، ووعد الله آت آت لاريب فيه، فلا تبرح مكانك مع أهل الحق، ولا تتكاسل عن العمل، ولا تغادر الصف يأساً أو ملالاً أو فتوراً أو ضعفاً أو تعجلاً أو تبرماً ببعض مسالك رفاقك في الطريق؛ فينزل النصر علي قوم لست فيهم، ويتحقق وعد الله وليس لك في تحقيقه نصيب، وترتفع راية الإسلام وليس لساعدك في رفعها قليل أو كثير، وينهزم الباطل ولم تضرب في ذلك بسهم﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾(الكهف: 28). فثق بربك، واستفرغ وسعك، وتمسك بمبادئك، وتشبث بإخوانك، ولتكن الصوت المدوي إذا سكت الناس، والحركة الدءووب إذا سكن الناس، ولا تنتظر شيئاً إلا من ربك الكريم الرحيم، ولا تستبعد شيئاً لأنك لا تطوله، فأنت في معية الله وما تطلبه في قبضة الله، وغايتك إرضاء الله، فأقم نفسك في طريقه والزم أدب العبودية يحقق لك ما وعد﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(الحج: 40).

ثق أنك منتصر:

أخي الحبيب: ثباتك علي مبادئك نصر، ووفاؤك ببيعتك نصر، ووقوفك إلي جانب الحق وأهله نصر، وجهرك بكلمة الحق في وجه السلطان الجائر نصر، وانحيازك إلي المظلمومين المقهورين في ربوع الأرض نصر، ورفعك لراية الأمة ووحدتها وقضاياها المصيرية وهويتها نصر، ومراغمتك للباطل وأهله  نصر، وتحملك الأذي في سبيل الله نصر، وعدم إعطائك الدنية في دينك أو خلقك أو وطنك نصر، وصوتك المدوي في سكون الناس نصر، وطلبك للحرية نصر، وإصرارك علي مواصلة الطريق نصر، وكسرك إرادة عدوك الهادفة لمحو مشروعك نصر، ثق أنك الآن منتصر بوضعك الحالي، رغم ما يراه الناس من أحوالك، وما تتعرض له من أذي؛ فمتي كان طريق الدعوة مفروشاً بالورود؟! … ومتي أقيمت الأمجاد بالمجان؟ ! …  ومتي قدمت الحرية لطالبيها علي طبق من ذهب؟! … نعم أنت الآن منتصر لأنك لم تحقق إرادة عدوك فيك؛ فلم تنسخ مشروعك، ولم تتنكر لمبادئك، ولم تفقد إنسانيتك، ولم تتحول عن طريقك، ولم تتوقف عن المحاولة، وتوشك محاولاتك أن تثمر، ويوشك جهادك أن يكلل بالنجاح، وأنت في كل الأحوال مأجور مشكور من الله ومن المخلصين الصادقين، اثبت وسينقلك الله بحوله وقوته من نصر المبادئ والفكرة الذي تعيشه اليوم في ظل انتفاش الباطل إ

لي نصر تتربع فيه الفكرة علي العقول والقلوب والواقع، في جنبات المجتمع وفي أركان الدولة، ثم إلي نصر وتمكين تتحقق به خلافة العدل والرحمة وأستاذية الفتح والحضارة والإنسانية. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

Leave a Reply

Top